سيد محمد طنطاوي

112

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( يَتِيهُونَ ) * من التيه وهو الحيرة . يقال : تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق . ووقع فلان في التيه . أي : في مواضع الحيرة . وقوله : * ( فَلا تَأْسَ ) * أي : فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن . يقال : أسى - كتعب - أي : حزن . فهو آس مثل حزين . وأسا على مصيبته - من باب عدا - أي : حزن قال امرؤ القيس : وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل أي : يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر . والمعنى : قال اللَّه - تعالى - لنبيه موسى مجيبا لدعائه : يا موسى إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة ، يسيرون خلالها في الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر ، ولا يستقر لهم قرار ، فلا تحزن عليهم بسبب هذه العقوبة فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا ، وتمردهم على أوامرنا ، وجبنهم عن قتال أعدائنا ، وسوء أدبهم مع أنبيائنا . قال الآلوسي . قوله : * ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) * أي : لا يدخلونها ولا يملكونها . والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد ، وجوز أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر وقوله * ( أَرْبَعِينَ سَنَةً ) * متعلق بقوله : محرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدا ، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله - تعالى - * ( ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * . والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة ، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها ، بل بعضهم ممن بقي - يجوز له دخولها - فقد روى أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل - بعد انقضاء هذه المدة - إلى الأرض المقدسة . وقوله : * ( يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ ) * استئناف لبيان كيفية حرمانهم . وقيل حال من ضمير * ( عَلَيْهِمْ ) * . وقيل : الظرف متعلق بقوله : * ( يَتِيهُونَ ) * فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه » « 1 » . وقال الفخر الرازي : اختلف الناس في أن موسى وهارون - عليهما السلام - هل بقيا في التيه أو لا ؟ فقال قوم : إنهما ما كانا في التيه لأن موسى دعا اللَّه أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ودعوات الأنبياء مجابة ، لأن التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون . وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه ، إلا أن اللَّه - تعالى - سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما . وإنهما قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 109 - بتصرف وتلخيص -